الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و الْآخِرَةِ : تأنيث الآخر وهو الذي يكون بعد مضي مدة تقررت فيها أمثاله كقوله تعالى : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [ العنكبوت : 20 ] . والمجرور من قوله : فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ يجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من اسم الإشارة بيانا للمقصود من الإشارة متعلقا بفعل سَمِعْنا . والمعنى : ما سمعنا بهذا قبل اليوم فلا نعتدّ به . ويجوز على هذا التقدير أن يكون المراد ب الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ دين النصارى ، وهو عن ابن عباس وأصحابه وعليه فالمشركون استشهدوا على بطلان توحيد الإله بأن دين النصارى الذي ظهر قبل الإسلام أثبت تعدد الآلهة ، ويكون نفي السماع كناية عن سماع ضده وهو تعدد الآلهة . ويجوز أن يريدوا ب الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ الملّة التي هم عليها ويكون إشارة إلى قول ملأ قريش لأبي طالب في حين احتضاره حين قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عم قل لا إله إلّا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه . فقالوا له جميعا : أترغب عن ملة عبد المطلب » . فقولهم : فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ كناية عن استمرار انتفاء هذا إلى الزمن الأخير فيعلم أن انتفاءه في ملتهم الأولى بالأحرى . وجملة إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ مبينة لجملة ما سَمِعْنا بِهذا وهذا هو المتحصل من كلامهم المبدوء ب امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ فهذه الجملة كالفذلكة لكلامهم . والاختلاق : الكذب المخترع الذي لا شبهة لقائله . [ 8 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 8 ] أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا . يجوز أن يكون أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا من كلام عموم الكافرين المحكي بقوله : وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ ص : 4 ] فيكون متصلا بقوله : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً [ ص : 5 ] ويكون قوله أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ بيانا لجملة كَذَّابٌ [ ص : 4 ] ، لأن تقديره : هذا كذّاب إذ هو خبر ثان ل ( كان ) ، ولكونه بيانا للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من قوله : وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ [ ص : 6 ] إلى قوله : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] اعتراضا بين جملتي البيان . ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة كَذَّابٌ لأن نطق الملأ به كاف في قول الآخرين بموجبه فاستغنوا عن بيان جملة كَذَّابٌ . والاستفهام إنكاري ، ومناط الإنكار هو الظرف مِنْ بَيْنِنا وهو في موضع حال من